الشيخ محمد رشيد رضا

280

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآخرة وهو أشد وأبقى - لنعتبر بحالهم ، ونتقي حذو مثالهم ، وليبين لنا علة كفرهم بنبينا وتصديهم لإيذائه وعداوة أمته ، وليقيم بذلك الحجة عليهم فيما تراه بعد هذه الآيات . فهذا مبدأ سياق طويل في محاجة أهل الكتاب وبيان أنواع كفرهم وضلالهم . قال تعالى * * * وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يقسم عز وجل انه قد أخذ العهد الموثّق على بني إسرائيل ليعملن بالتوراة التي شرعها لهم ، لإفادة تأكيد هذا الامر وتحقيقه والاهتمام بما رتب عليه ، لأن الرسول قد علمه بالوحي الإلهي وان لم يطلع على توراتهم ولا على شيء من تاريخهم . ولا يزال هذا الميثاق في آخر الاسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه الصلاة والسّلام ( راجع تفسير « 4 : 153 وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً » من هذا الجز من التفسير ) وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً النقيب في القوم من ينقب عن أحوالهم ويبحث عن شؤونهم ، من نقب عن الشيء إذا بحث أو فحص عنه فحصا بليغا ، وأصله الخرق في الجدار ونحوه كالنقب في الخشب وما شابهه . ويقال نقب عليهم ( من باب ضرب وعلم ) نقابة ، أي صار نقببا عليهم . عدي باللام لما فيه من معنى التولية والرياسة . ونقباء بني إسرائيل هم زعماء أسباطهم الاثني عشر . والمراد ببعثهم ارسالهم لمقاتلة الجبارين الذين يجيء خبرهم في هذه السورة ، قاله مجاهد والكلبي والسدي . فان صح هذا أخذ به والا فالظاهر أن بعثهم منهم هو جعلهم رؤساء فيهم وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ اي اني معكم بالمعونة والنصر ما دمتم محافظين على ميثاقي ، قال اللّه هذا لموسى عليه السّلام وهو بلغه عنه وكان يذكرهم به أنبياؤهم ويجدده رسلهم ، ويتوعدونهم نحو ما توعدهم به موسى عند أخذه عليهم إذا هم نقضوه لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ اي واقسم اللّه لهم على لسان موسى بما مضمونه لئن أديتم الصلاة على وجهها وأعطيتم ما فرض عليكم في أموالكم من الصدقة التي تتزكى بها نفوسكم وتتطهر من رذيلة البخل وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ اي برسلي الذي ارسلهم إليكم بعد موسى كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد